Monday, June 20, 2016

يوم الإثنين، ١٥ رمضان

يقول الله سبحانه تعالى في خصام بين فئتين من أهل النار في سورة سبأ: 

"...يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنّا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا، وأسرّوا الندامة لما رأوا العذاب، وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، هل يجزون إلا ما كانوا يعملون"

قبل عدة سنوات، كنت أدرك أن الفئة المستضعفة تعذب في النار كما تعذّب الفئة المستكبرة المستبدّة الطاغية، جزاًء لهم على ضعفهم وخضوعهم. كنت أؤمن باستحقاقهم جميعًا للعذاب، لخضوع المستضعفين، ولاستبداد المستبّدين، ولكنّي كنت أعجب من الحوار الذي يسأل فيه المستضعفون بضعف من العذاب للفئة المستبدّة، فيرد الله عليهم: "قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون"

كيف تستوي الفئتين في العذاب، والفئة المستضعفة عاشت ذلًا ومهانة وخضوعًا في الدنيا؟ كنت أعجب من الجمع بينهما عند الحديث عن عذابيهما، أن الهذاب يتسوي في الحالتين، رغم أنني كنت أجد أن الفئة الطاغية تستحق عذابًا أكبر، وإن كانت الفئة المستضعفة تلاقي ما تلاقي من عذاب جراء ارتضائها للذل، وعدم تحملها لأمانة النفس التي أعطاها الله إياها كما يجب، وعدم تحريرها من حيث خلقها الله حرة لا ينبغي أن تخضع ولا تركع إلا إليه.

في قراءة لبيغوفتش تزامنت مصادفة في موعد مقارب لقرائتي وتعجبي مما فات ذكره، كان بيغوفتش يتحدث عن النفس الجوّانية والسلوك البرّاني، في حديث مقارن بين الدين والفن، وتشابه فيما بينهما في كون كل منهما يرتبط لزامًا بالنفس الجوّانية.

كان يقول بأن العمل الفني، وكذلك السلوك الديني، أصله يكمن في الحياة الجوّانية للإنسان، وهو في حالة الفنّ يكون الصراعات الداخلية بين الأرض والسماء، وفي حالة الدين تكون النية، ويكون الإخلاص واليقين وغيرهما من الحالات القلبية اللازم توفرها حين العبادة حتى تكون محققة. كان يقول مثلًا بأن الصلاة، شأنها شأن العمل الفنيّ، تكون فارغة من المعنى إن كانت مجرد حركات، وأن وزنها يكمن في الحالة القلبية. السلوك الديني والفني هو رمز للحالة الجوانية، أما إن اقتصر على السلوك دون الحالة الجوّانية فهو فارغ.

كان يقول بأن الدين يمتاز بأنه يختصّ بتقييم الحالة الجوانية، وهو ما نسميه بالنية كما ذكرت، أما شأن الناس فيما بينهم هو تقييم السلوك الخارجي. ثم عقّب على ما قال بمقولة لفيلسوف، يقول فيها بأنّه، ولأجل ذلك، لا يوجد أخيار في النار، ولا يوجد أشرار في النعيم، ما دام أساس التقييم الدينيّ قائم على الحالة الجوّانية التي يطلّع عليها الله وحده، والتي قد يعبر عنها الفرد برموز دينية أو فنية، وقد لا يفعل في حالات تبقى الحالة الجوّانية فيها حبيسة القلب والداخل،، وذلك كما أظن شأن النية الصالحة للعمل الصالح التي يؤجر عليها المسلم رغم عدم قيامه بالعمل. فالحالة الجوانية وإن لم تُمثل برموزها، هي باقية وموجودة وحاصلة في داخل الإنسان، في نفسه.

قياسًا على كلام بيغوفتش، أستطيع أن أقول اجتهادًا وتفكّرًا لا تفسيرًا، بأن أهل النار المستضعفين منهم والمستكبرين الطغاة على درجة من السواء في حالة قلبية جوّانية على شر وباطل، سواء استمدت فسادها من طغيان، أو ذل أو ضعف لا يليق بالتكريم الذي منحها الله إياها. قد يُصوّر الشر على هيئة استبداد وطغيان وسلطة جائرة في الأفلام والقصص والأساطير، ولكننا نغفل أحيانًا أن الشر إفراط وتفريط، هو فعل تعسفيّ أو ترك تعسفيّ، وأن المستضعف يستطيع أن يصل إلى حالة جوانية من الإيمان وإن لم يعبّر عنها لضعف أو عجز، وذلك مثل الذي ورد ذكره في سورة غافر عن الرجل الذي آمن من قوم فرعون وهو يكتم إيمانه. وقد قرأت مرة في تفسير عن حوار المستضعفين والمستكبرين من أهل النار أنه كان يخص آل فرعون، والذي استكبر وطغى منهم كفرعون وهامان، وبنو إسرائيل الذين استعبدوا حتى اعتادوا على الذل بعد ظهور الحق ومجيء سيدنا موسى ليحررهم، ففضلوا البقاء مع فرعون على التحرر من عبوديته والاصطفاف مع من آمن من قوم موسى عليه السلام.

Sunday, June 19, 2016

موسى عليه السلام والنساء الثلاث

الأحد، ١٤ رمضان

بينما كنت أراجع بداية سورة القصص، أحسست بشعور غريب، جميل ولذيذ عند قراءة وإعادة وتكرار الآيات الأولى من قصة موسى عليه السلام.

بدأت القصة بإيحاء الله إلى أم موسى بأن تلقيه في اليم، ثم بنشأة سيدنا موسى في بيت الطاغية فرعون.. هو نفسه العدوّ، عدوّ الدعوة والرسالة والنبوّة- باقتراح من امرأته الفاضلة سيدتنا آسيا، ثم تأتي أخت سيدنا موسى في آخر الصفحة لتكون بطلة لمّ شمل الأم بابنها.

تظهر لنا هذه الزاوية بالذات كيف أن كل الأمور تسير تحت العناية الإلهيّة، بتدبير سماويّ صرف، ليس لبشريّ ضعيف واحد فيه يد. هو الذي أوحى إليها بإلقائه في اليمّ ليلتقطه العدوّ، حتى ينشأ العيشة الأكرم، ثم من بعدها هو يعيد الأم إلى ابنها بتدبيره ولطفه! كيف كان لأم موسى عليهما السلام أن تفكر برواية أدقّ من هذه لصغيرها الذي يكبر فيصير نبيّ قومه؟ كيف كانت لتحميه من القتل وترعاه رعاية كريمة في آن حتى يتأهّل للنبوّة كما ينبغي؟
أكره أنني أغفل أحيانًا عن حقيقة أن الله هو المدبّر، لست أنا، وليس لأحد في حياتي يد، وأن تدبيره هو أفضل تدبير إن تجلت لنا الحكم.

أحببت أن القصة كانت برعاية أنثويّة صرفة، بدأت بالأم التي ألقت بصغيرها، ثم التقطته زوجة فرعون، فنشأ موسى عليه السلام تحت رعايتها، وأخيرًا تجيء الأخت لتدبّر اللقاء بحصافتها وذكائها، فتعود الأم إلى مضمار القصة وترضع ابنها قريرة العين.

أخيرًا، علمتني أخت سيدنا موسى أن الطرق المباشرة ليست دائمًا موصلة، وأننا من حيث نواري أو نلتفّ، قد نصل بشكل أسرع، بحلّ يرضينا ولا يزعجهم. الحقيقة المطلقة معرفتها لا ينبغي أن تكون للجميع، والشفافية حلٌّ يستعمل عند الحاجة، وأنه من كان في موقف ضعف فعليه أن يصل بطرق ملتفّة، مستعملا في ذلك مهاراته؛ فالجهر بالحقيقة وقتها ليس إلا غباء يفضي إلى الذلّ وبعد المنال.